فخر الدين الرازي

372

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ثلاثة جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام ، وهم الذين ذكرهم اللَّه في سورة والذاريات في قوله : هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ [ الذاريات : 24 ] وفي الحجر وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ [ الحجر : 51 ] . المسألة الثانية : اختلفوا في المراد بالبشرى على وجهين : الأول : أن المراد ما بشره اللَّه بعد ذلك بقوله : فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ الثاني : أن المراد منه أنه بشر إبراهيم عليه السلام بسلامة لوط وبإهلاك قومه . وأما قوله : قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي قالوا سلم قال سلم بكسر السين وسكون اللام بغير ألف ، وفي والذاريات مثله . قال الفراء : لا فرق بين القراءتين كما قالوا حل وحلال وحرم وحرام لأن في التفسير أنهم لما جاءوا سلموا عليه . قال أبو علي الفارسي : ويحتمل أن يكون سلم خلاف العدو والحرب كأنهم لما امتنعوا من تناول ما قدمه إليهم نكرهم وأوجس منهم خيفة قال إنا سلم ولست بحرب ولا عدو فلا تمتنعوا من تناول طعامي كما يمتنع من تناول طعام العدو ، وهذا الوجه عندي بعيد ، لأن على هذا التقدير ينبغي أن يكون تكلم إبراهيم عليه السلام بهذا اللفظ بعد إحضار الطعام ، إلا أن القرآن يدل على أن هذا الكلام إنما وجد قبل إحضار الطعام لأنه تعالى قال : قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ [ هود : 69 ] والفاء للتعقيب ، فدل ذلك على أن مجيئه بذلك العجل الحنيذ كان بعد ذكر السلام . المسألة الثانية : قالوا سلاما تقديره : سلمنا عليك سلاما قال سلام تقديره : أمري سلام ، أي لست مريدا غير السلامة والصلح . قال الواحدي : ويحتمل أن يكون المراد : سلام عليكم ، فجاء به مرفوعا حكاية لقوله كما قال : وحذف عنه الخبر كما حذف من قوله : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ * [ يوسف : 18 ] وإنما يحسن هذا الحذف إذا كان المقصود معلوما بعد الحذف ، وهاهنا المقصود معلوم فلا جرم حسن الحذف ، ونظيره قوله تعالى : فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ [ الزخرف : 89 ] على حذف الخبر . واعلم أنه إنما سلم بعضهم على بعض ، رعاية للإذن المذكور في قوله تعالى : لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها . المسألة الثالثة : أكثر ما يستعمل سَلامٌ عَلَيْكُمْ * بغير ألف ولام ، وذلك لأنه في معنى الدعاء ، فهو مثل قولهم : خير بين يديك . فإن قيل : كيف جاز جعل النكرة مبتدأ ؟ قلنا : النكرة إذا كانت موصوفة جاز جعلها مبتدأ ، فإذا قلت سلام عليكم : فالتنكير في هذا الموضع يدل على التمام والكمال ، فكأنه قيل : سلام كامل تام عليكم ، ونظيره قولنا : سلام عليك ، وقوله تعالى : قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي [ مريم : 47 ] وقوله : سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [ يس : 58 ] سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ [ الصافات : 79 ] الْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ [ الرعد : 23 ، 24 ] فأما قوله تعالى : وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى [ طه : 47 ] فهذا أيضا جائز ، والمراد منه الماهية والحقيقة . وأقول : قوله : سَلامٌ عَلَيْكُمْ * أكمل من قوله : السلام عليكم ، لأن التنكير في قوله : سَلامٌ عَلَيْكُمْ * يفيد الكمال والمبالغة والتمام . وأما لفظ السلام : فإنه لا يفيد إلا الماهية . قال الأخفش : من العرب من يقول : سلام